محمد بن جرير الطبري
299
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
خلوا مع شياطينهم " ، إذ كانت حروف الصِّفات يُعاقِبُ بعضُها بعضًا ( 1 ) ، كما قال الله مخبرًا عن عيسى ابن مريم أنه قال للحواريين : ( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ) [ سورة الصف : 14 ] ، يريد : مع الله . وكما توضع " على " في موضع " من " ، و " في " و " عن " و " الباء " ، كما قال الشاعر : إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ . . . لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا ( 2 ) بمعنى عَنِّي . وأما بعض نحويي أهل الكوفة ، فإنه كان يتأوَّل أن ذلك بمعنى : وإذا لَقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا صَرفوا خَلاءهم إلى شياطينهم - فيزعم أن الجالب لِ " إلى " ، المعنى الذي دلّ عليه الكلامُ : من انصرافِ المنافقين عن لقاء المؤمنين إلى شياطينهم خالين بهم ، لا قوله " خَلَوْا " . وعلى هذا التأويل لا يصلح في موضع " إلى " غيرُها ، لتغير الكلام بدخول غيرها من الحروف مكانها . وهذا القول عندي أولى بالصواب ، لأن لكل حرف من حُرُوف المعاني وجهًا هو به أولى من غيره ( 3 ) فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها . ولِ " إلى " في كل موضع دخلت من الكلام حُكْم ، وغيرُ جائز سلبُها معانِيَها في أماكنها . * * *
--> ( 1 ) حروف الصفات : هي حرف الجر ، وسميت حروف الجر ، لأنها تجر ما بعدها ، وسميت حروف الصفات ، لأنها تحدث في الاسم صفة حادثة ، كقولك : " جلست في الدار " ، دلت على أن الدار وعاء للجلوس . وقيل : سميت بذلك ، لأنها تقع صفات لما قبلها من النكرات . ويسميها الكوفيون أيضًا : حروف الإضافة ، لأنها تضيف الاسم إلى الفعل ، أي توصله إليه وتربطه به . ( همع الهوامع 2 : 19 ) وتسمى أيضًا حروف المعاني ، كما سيأتي بعد قليل . والمعاقبة : أن يستعمل أحدهما مكان الآخر بمثل معناه . ( 2 ) الشعر للعقيف العقيلي ، يمدح حكيم بن المسيب القشيري . نوادر أبي زيد : 176 ، خزانة الأدب 4 : 247 ، وغيرهما كثير . ( 3 ) حروف المعاني ، هي حروف الصفات ، وحروف الجر ، كما مضى آنفًا ، تعليق : 1